عبد الرحمن السهيلي
64
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
حالاً من أمر ، إنما هو حال من الوقوع ، كما تقول : جاءني رجل مشياً ، فليس مشياً حال من رجل ، كما توهموا ، وإنما هي حال من المجيء لأن الحال هي صاحب الحال ، وتنقسم أقساماً : حال من فاعل كقولك : جاء زيد ماشياً ، وحال من الفعل ، كقولك : جاء زيد مشياً وركضاً ، وحال من المفعول ، كقولك : جاءني القوم جالساً ، فهي صفة المفعول في وقت وقوع الفعل عليه ، أو صفة الفاعل في وقت وقوع الفعل منه ، أو صفة الفعل في وقت وقوعه ونعني بالفعل : المصدر . حديث الحجاج السلمي : فصل : وذكر حديث الحجاج بن علاط السلمي : وقد ذكرنا في حديث إسلامه خبراً عجيباً اتفق له مع الجن ، وهو والد نصر بن حجاج الذي حلق عمر رأسه ، ونفاه عن المدينة لما سمع قول المرأة فيه : ألا سبيل إلى خمرٍ فأشربها * أم لا سبيل إلى نصر بن حجّاج وهذه المرأة هي الفريعة بنت همام ، ويقال : إنها أم الحجاج بن يوسف ، ولذلك قال له عروة بن الزبير : يا ابن المتمنية ، وكان من أحسن الناس لمةً ووجهاً ، فأتى الشام ، فنزل على أبي الأعور السلمي ، فهويته امرأته ، وهواها ، وفطن أبو الأعور لذلك بسبب يطول ذكره ، فابتنى له قبة في أقصى الحي ، فكان بها ، فاشتد ضناه بالمرأة ، حتى مات كلفاً بها ، وسمي المضنى وضربت به الأمثال . وذكر الأصبهاني في كتاب الأمثال له خبره بطوله . وقوله : الحجاج بن علاط ، والعلاط وشم في العنق ، ويقال له : العلطة أيضاً ، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم : لا بد لي أن أقول ، فقال له : قل ، يعني التكذب ، فأباحه له ، لأنه من خدع الحرب ، وقال : المبرد : إنما صوابه ، أتقول إذا أردت معنى التكذب ، وأخذ هذا المعنى حبيب فقال : بحسب امرئٍ أثنى عليك بأنه * يقول ، وإن أربى فلا يتقوّل أي : يقول الحق إذا مدحك ، وإن أفرط فليس إفراطه بتقول . معنى أولى له : وذكر غير ابن إسحاق في حديث حجاج أن قريشاً قالت : حين أفلتهم : أولى له ، وهي كلمة معناها : الوعيد ، وفي التنزيل : « أَوْلى لك فَأَوْلَى » القيامة ، فهي على وزن أفعل ، من ولي أي : قد وليه الشر ، وقال الفارسي : هي اسم علم ولذلك لم ينصرف ، وجدت هذا في بعض مسائله ، ولا تتضح لي العلمية في هذه الكلمة ، وإنما هو عندي كلام حذف منه ، والتقدير : الذي تصير إليه من الشر أو العقوبة أولى لك ، أي : ألزم لك ، أي : إنه يليك ، وهو أولى لك ، مما فرزت منه ، فهو في موضع رفع ، ولم ينصرف لأنه وصف على وزن أفعل ، وقول الفارسي : هو في موضع نصب جعله من باب تباً له ، غير أنه جعله علماً لما رآه غير منون . ابن أم أيمن : فصل : وذكر شعر حسان في ابن أم أيمن ، واسم أبيه عبيد ، واسم أمه أم أيمن بركة ، وهي أم أسامة بن زيد ، يقال لها : أم الظباء ، قال الواقدي : اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن مسلمة بن عمرو بن النعمان وكانت أمة لعبد الله بن عبد المطلب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أم أيمن أمي بعد أمي ، ويقال : كانت لآمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي هاجرت على قدميها من مكة إلى المدينة ، وليس معها أحد ، وذلك في حر شديد ، فعطشت ، فسمعت حفيفاً فوق رأسها ، فالتفت ، فإذا دلو قد أدليت لها من السماء فشربت منها ، فلم تظمأ أبداً ، وكانت تتعهد الصوم في حمارة القيظ ، لتعطش فلا تعطش وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها ، وكان الخليفتان يزورانها بعده ، وقد روي مثل قصتها عن أم شريك الدوسية أنها عطشت في سفر فلم تجد ماءً إلا عند يهودي ، وأبى أن يسقيها إلا أن تدين بدينه فأبت إلا أن تموت عطشاً ، فدليت لها دلو من السماء فشربت ، ثم رفعت الدلو ، وهي تنظر . ذكر خبرها ابن إسحاق في السيرة من غير رواية ابن هشام ، وهو أطول مما ذكرناه .